افهم عقلك.. تفهم سلوكك
كل سلوك إنساني يبدأ من العقل. لدينا عقلان يعملان معًا: الواعي الذي يختار ويوجّه، والباطن الذي ينفّذ. المشكلة أننا نحاول فهم العقل بالعقل نفسه؛ مهمة معقدة لكنها ممكنة حين نبدأ من حقيقة بسيطة: وهي ان ما نسمح له أن يستقر في عقلنا الواعي، يَثبُت في وعينا الباطن، ثم ينعكس على افعالنا ونتائجنا.
لا تشعر به! لكنه يعمل لصالحك
العقل الباطن يدير حياتك الحيوية بلا توقف: تتنفس ٢٣ الف مره في اليوم، قلبك يدق ١٠٠ الف دقة في اليوم، عملية توازن في كيمياء الجسم بشكل مستمر…إلى آخره. كل ذلك يحدث بشكل آلي دون أدني تدخل منك. تخيّل فقط لو وجّهت جزءًا من هذه الطاقة الهائلة نحو أهدافك بإشراف عقلك الواعي.
الفكرة الجوهرية التي نريد تأكيدها هنا هي أن العقل الواعي يبرمج، والعقل الباطن ينجز. فإن استطعت اتقان البرمجة الفكرية، سيتحرك أداؤك ليتوافق مع إمكاناتك الحقيقية.
من أين نبدأ؟
هناك سلسلة تسير من الأسباب الي النتائج يمكن تتبع طريقها على النحو الآتي:
أفكار > معتقدات جوهرية > صورة ذاتية >
تقدير للذات > أهداف ذات معنى > جهد ومثابرة > أداء > نتائج.
إذا أردت تغيير النتائج، فلا تقف عند الأداء فقط؛ ارجع إلى نقطة الانطلاق: الأفكار التي اخترتها وسمحت لها أن تستقر في عقلك.
صعوبة إقناع نفسك بنفسك
أصعب عملية اقناع في العالم ليس أن تقنع الآخرين بشراء منتج، بل أن تقنع نفسك بإمكانياتك وقدراتك و أنك تستحق الافضل.
الفكرة هنا هي أن ما تؤمن به عن نفسك يحدّد ما تحاول فعله والي اي مدي تستطيع الصبر لتقوم به حتي تصل إلى ما تريد. من يعتقد أنه لا يستطيع، غالبًا لن يحاول. اما من يعتقد أنه يستطيع، يظل يجرّب ويثابر حتى تتوافق النتائج مع ما يؤمن به عن نفسه.
الفكر والإيمان يخلقان الشكل
نحن نُجسد داخليًا ما نقتنع به عقليًا وعاطفيًا. قبل أن يتحقق أي إنجاز في الواقع، نتبني أولًا فكرة مُتَخيلة لما نود تحقيقه، ثم نؤمن بها ونمدها بالوقود العاطفي، ثم نضع الخطة لتنفيذها ونشرع في تنفيذها.
وقد قرأت قصة عن أحد العدائين اسمه " روجر بانستر "، علي مدى آلاف الأعوام قبله، لم يصدق أحد أنه من الممكن لإنسان أن يقطع مسافة واحد ميل عدوا في وقت أقل من أربع دقائق ، ولكن في
٦ مايو ١٩٥٤ ، أثبت "روجر" أن المستحيل ممكن . كيف قام بهذا ؟ لقد قرر أولا أن هذا يمكن القيام به ، وأنه هو يمكنه ذلك . بدأ يتخيل بشكل ثابت في عقله أن هذا الحدث يتحقق بنجاح مرارا وتكرارا. كان يرى نفسه يحطم حاجز الدقائق الأربع مئات ومئات المرات حرفيا ، خالقا صورا واضحة في ذهنه ومقنعة لنفسه وهو يحرز هدفه ، وكانت هذه الصورة مصحوبة بالكثير جدا من التوهج العاطفي الذي برمجه عقله الباطن وجهازه العصبي ليقوموا بتنفيذه، وبالطبع كان يتدرب من أجل تحقيق ذلك الهدف بانضباط واصرار.
وبعد ذلك، حفز نجاح "روجر" عدائيين آخرين ليغيروا نظامهم الاعتقادي ، وفي غضون الثمانية عشر شهراً التالية ، أقدم أربعة وعشرون عداء آخرون على تحطيم حاجز الأربع دقائق لقطع الميل ، وفي العقد التالي ، أنجز عدة مئات آخرون التحدى ذاته ، واليوم فإن كل العدائين في ذلك السباق يحطمون علامة الأربع دقائق على نحو ثابت . لقد اتضح أن الحاجز كان عقليا، وليس ماديا.
ما اريد التنويه له هنا ان المستحيل يبدأ في أذهاننا قبل أن يظهر في الواقع، وإذا استطعنا تغيير ما في الداخل، سوف يُعاد تشكيل واقعنا في الخارج علي اساسه.
واقعنا هو تجسيد لأفكارنا
اذا نظرنا إلى الناجحون سنجد أنهم يفكرون في الفرص والتعلّم والتحديات الممكنة؛ أما غير الناجحين يفكرون في العوائق و المشكلات ونقص الحظ. وبعد زمن، يصير واقع المرء صورةً مما يفكر فيه معظم يومه.
إذن فالمعادلة بسيطة وقاسية في ذات الوقت، لذا إذا جربت تغيير ما تفكر فيه باستمرار، سوف يتغير ما يصير إليه واقعك بالتدريج.
ممكن نختار أفكارنا.. لكن كيف؟
نحن لسنا مسؤولين عن كل فكرة تخطر ببالنا، لكننا مسؤولون عن الأفكار التي نسمح لها بالبقاء في عقولنا.
ولنوضح المقصود تأمل معي هذه الأمثلة:
تخيل كاتبًا ينتقي من مئة فكرة عشر افكار فقط ويعيد ترتيبها حتى تصبح نصًا متماسكًا؛ وهكذا بنفس الطريقة يمكننا أن ندير أفكار يومنا، ننتقي أفكارنا بوعي، ثم نقوم بترتيبها بحيث تخدم أغراضنا.
واليك مثال يومي بسيط، هناك من يستيقظ وينتظر أن تعطيه الحياه يوماً جيدًا، وهناك من يقرر أن يصنع بنفسه يومًا مثمرًا مهما كان الواقع الذي يحياه والظروف المحيطة به. لذلك فالقرار الذي تتخذه يوجه انتباهك إلي السلوك الذي يجب أن تسلكه، وبذلك تستطيع أن تصنع ظروفك بقدر المستطاع.
اجعل مركز التحكم من الداخل
حين يكون مركز التحكم لديك داخليًا، سوف ترى نفسك فاعلًا لا مفعولًا به. وهذا الخيار لا يلغي الواقع ولا صعوباته، لكن طريقة تفسيرك للأحداث الخارجية من حولك، تجعلك قادراً علي اختيار ان تتقبلها وتتعامل معها بحكمة، بدل الانسياق وراء ما تفرضه عليك تلك الظروف الخارجية.
القيمة الحقيقية لا تقاس بالممتلكات
الخطر يكمن في أن نربط قيمتنا بما نملك أو بمنصبٍ عابر. هذا الربط يجعلنا حياتنا متقلبة ويشوه صورتنا الذاتية. وللأسف هذا ما يغذيه الإعلام و ما ينتشر علي وسائل التواصل الاجتماعي. حين يُظهر أن الشاب الذي يقود سيارة فارهة ، ويرتدى أجمل الثياب هو دائما من يحصل على أجمل الفتيات، مثلا. إذن فما الذي يفعله الشباب الصغير الآن ؟ إنهم يريدون أن يصلوا لهذا الوضع المادي بأي طريقة حتى يحصلوا علي سيارة فارهة، والآن لنفترض أنه استطاع امتلاك تلك السيارة، لكنه سرعان ما وجد أنه لم يحصل علي نفس النتيجة التي كان يتمناها، فماذا يحدث له؟، بالطبع سوف يسوء شعوره بدرجة أكبر! ويشكو لأن هذا الأمر لم يحقق له ما يريد، لكنه مازال يعتقد أن امتلاك الآخرين لتلك السيارة وهذه الاموال يحقق لهم ما يريدون! فلماذا اذن لا ينفع الامر معه؟.
والحقيقة أنه سيكتشف في النهاية أن الملاحقة للثروة كهدف في حد ذاتها لن تثمر أبداً عن الإحساس بالرضا، لأن جوهر الوجود يكمن في العطاء والمنح وليس في الأخذ، وكما يقول قانون العطاء المتبادل إننا ينبغى دائما أن نعطى من أجل أن نتلقى، والعطاء يجعلنا نتعرف علي ذواتنا الحقيقية، ونعثر علي انفسنا عبر المساهمات التي نقدمها، و حينها سيتولد لدينا معنى يتجاوز كل الممتلكات المادية.
طريقة جديدة للعيش
اختر مجالًا تعتبره مهمًا ويثير شغفك، ثم اسعَ لإتقانه. سوف تجد أن المتعة ليست في النتيجة وحدها، بل في السعي المتواصل ذاته الذي يوسع حدودك ويمنحك احساساً بالثقة والرضا عن ذاتك مما يزيد من تقديرك لها.
فالإتقان يزيد من إحساسك بالجدارة، والجدارة ترفع لديك الطاقة للسعي المستمر، وتلك الطاقة تجعلك راغباً في أن تكون أكثر إتقاناً… فهي إذن حلقة مستمرة كلما واظبت عليها.
تمرين عملي: أين أنت اليوم؟
قيِّم وضعك في هذه ال ٦ جوانب في حياتك: بدني، روحي، عقلي، أسري، مهني، مالي.
أين كنت قبل خمس سنوات؟ وأين تريد أن تكون بعد خمس سنوات؟
١- من المسؤول عن حياتك؟ أنت أم الظروف؟ القرار الحاسم يبدأ من هنا. فإذا اعتبرت نفسك أنت المسؤول عن حياتك سيكون لديك القدرة علي أن تختار تغييرها للأفضل، أما اذا كنت تري أن الظروف هي المسؤولة فلن يكون لديك أمل في تغيير حياتك.
٢- ما تعريفك الشخصي للنجاح؟ اجابة هذا السؤال مهمة لتتبين ما اذا كنت قد حققت هذا النجاح بالفعل ومازالت لا تعرف. او انك لم تحققه وما زال عليك العمل علي تحقيقه.
٣- ما الثمن الذي أنت مستعد لدفعه (الوقت، المجهود، التدرب والتعلم)؟ كي تنتقل من "المعرفة" إلى "الفعل"
برمج عقلك لتغيير سلوكياتك
كما ان المهندس يقوم باعادة تصليح وضبط محرك السيارة ليبلغ أقصى كفاءة ممكنة، تحتاج أنت أيضا إلى أن تضبط محركك الداخلي:
١- لاحظ الفكرة حين تطرأ.
٢- قرّر هل تخدم غايتك أم لا.
٣- إن كانت تخدم غايتك، ثبتها بتكرار واعٍ مع شحنة عاطفية وخطوة عملية صغيرة.
٤- إن لم تكن تخدم غايتك، اتركها تمر واستحضر فكرة بديلة تصلح لك.
بهذه الخطوات البسيطة يمكنك أن تبدأ إعادة برمجة عقلك: فكرة مختارة > تكرار واعي > وقود عاطفي مساعد > سلوك جديد > نتيجة مختلفة.
الخلاصة
نحن نستطيع أن نُشكل حياتنا باختياراتنا، ويبدأ ذلك من ملاحظة أفكارنا واختيار ما يناسبنا منها.
لأن ما تختاره اليوم ليقيم في رأسك، سيتحقق غدًا في واقعك.
لذا، ابدأ من داخلك و أعد ضبط افكارك، ستجد العالم الخارجي يُرتب نفسه ويُعيد تشكيل نفسه تدريجيًا ليتطابق مع ما آمنت به واتخذت تجاهه خطوات فعلية.
تأمل عملي لك
اختر فكرة واحدة تخدمك هذا الأسبوع (مثل: أنا مسؤول عن خطوتي القادمة لأحقق "كذا"). اكتبها كل صباح، واعمل عليها بخطوة صغيرة يوميًا، و راجع في المساء هل فعلت ما يجب عليك ام لا؟ ولاحظ ما تغير في انتباهك وسلوكك.
سؤال لك
لاحظ فكرة واحدة متكررة لديك تُضعف عزيمتك هذه الأيام، و اسأل نفسك ما الفكرة البديلة التي عليك أن تتبناها لتكون مكان تلك الفكرة؟