كلنا نولد عباقرة
كلنا ولدنا عباقرة، لكننا نسينا ذلك حين بدأنا نتعلم كيف نري العالم بعيون الأخرين.
حين ولدنا كنا أرواحًا نقية، فالإنسان يعد تجسدًا للذكاء غير المحدود، إنها قدرة الخالق سبحانه وتعالي.
لكننا في الحال بدأنا نتأثر بمجموعة كبيرة من المؤثرات الموجودة في بيئتنا من خلال ما تستقبله حواسنا الخمسة من مرئيات وأصوات و روائح.
هذه المؤثرات الخارجية تمثل بداية تشكل ذاكرة عقلنا الباطن، وخلال عملية التشكل هذه تتشوه معرفتنا بذواتنا ويبدأ إحساسنا بذاتنا يتشكل بناءًا علي ما تنقله لنا حواسنا.
ومن العجيب أننا بالرغم من كوننا في الأصل أحرار في اعتناق أفكارنا الخاصة، واكتشاف إمكانياتنا الخاصة، وأن نقرر مستقبلنا الخاص.
لكن للأسف، فإننا منذ لحظة مولدنا في هذا العالم الفيزيائي الصارم، يتم كبت هذه الامكانات لدينا. ولا يستثني من ذلك إلا قلة ممن صادف نشأتهم في ظروف تساعدهم علي فهم ذاتهم بحق والاستفادة من امكانياتهم الخاصة، بينما الغالبية العظمي لا يجدون إلا الاحباط والخيبة.
ومع ذلك، فلا طريق أمامنا للوعي بذاتنا، وتوجيهها، وإشباعها إلا من خلال تواجدنا في هذا العالم وخوض تلك التجربة.
ويتحتم علينا أن نواجه تحديات هائلة في سنوات تكويننا الأولي، باستقبال رسائل محيرة من العالم المحيط بنا، تساهم في تحديد ذواتنا وتكوين معتقداتنا عن أنفسنا.
سواء كانت تلك الرسائل ظروف اقتصادية ضيقة، أو تعرضنا للعنف، أو لتدني مستوي التعليم، وغيرها من الخبرات سلبية، التي تترك أثرًا عميقًا داخلنا.
ولا مفر من ذلك، وما يزيد الامر تعقيدًا، هو أننا في هذا السن الصغير نكون غير قادرين علي فهم هذه الخبرات فهمًا صحيحًا، كما أننا لا ندرك أن ظروف مولدنا فقط هي التي جعلتنا في هذا الوضع، ولا يعني هذا أننا نستحق هذا الوضع أو ذاك.
تبدأ انطباعاتنا الأولية عن العالم تتشكل وتتخزن في الذاكرة في طفولتنا المبكرة، وسرعان ما ينساها عقلنا الواعي، لكن أثرها يظل بداخلنا بشكل دائم -كما نعلم فإن الانطباعات الاولي تدوم-، لذلك فهي تعاود الظهور في حياتنا دون أن نشعر، وعندما ننمو و ننضج لا نعي أننا قد تأثرنا بشكل كبير بهذه الانطباعات الخفية التي كونت معتقداتنا عن العالم.
القوة مازالت بداخلنا
في هذا العالم الذي تحكمه السلبية، القليل منا فقط هم من يعتبرون أنفسهم قوة إيجابية في هذا العالم، وبالرغم من استطاعتنا جميعًا أن نتخذ نفس الخيار إلا أن الغالبية لا تفعل، لكننا مازلنا نستطيع الاختيار من جديد إذا امتلكنا البصيرة والشجاعة، لكي نقدم مساهمتنا في هذا العالم من خلال مواهبنا وقدراتنا الفطرية.
إن عقولنا لديها طاقة هائلة، فهي آلة عجيبة تحدد لنا من نحن، لكن نادرًا ما نستخدمها بفاعلية لنحقق ما نريد، بل في الغالب نستخدمها لكي نحقق نقيض ما نريده بالضبط.
علينا أن ندرك كيف تعمل عقولنا، إنها تعمل علي مستويين، المستوي الواعي والمستوي اللاواعي. لكن الجزء الاعظم من عقولنا هو الجزء اللاواعي، وهو مصدر قوتنا الحقيقية، لأنه متصل بالوعي الكوني، الذي هو الله، و هو كلي القدرة ومنبع النور ولا محدود، وهو موجود بداخلنا، وبوسعنا اللجوء الي قدرته المطلقة وسلطانه المتين، لكي نفهم أنفسنا والعالم الذي نعيشه أكثر.
وكل ما يتباهي به الانسان من إنجازات، من بناء ناطحات سحاب، وتصنيع اسلحة خارقة، وابتكار حواسيب كمية وأنظمة ذكية وفائقة، إلا أن كل ذلك لم يوجد من عدم، إنما وجد عندما فهمنا الطبيعة الموجودة حولنا، وتمكنا من استخدام قوانينها.
وكل تلك المنجزات التي قام بها الانسان لا تقارن بالابداع الموجود في جناح ذبابة أو ورقة شجر، الذي يمثل قدرة فائقة لحدود البشر، وهو ابداع لا مثيل له، ومهما حاول الانسان وفكر فإنه لا يستطيع أن يخلق فكرة خارج الطبيعة من حوله. فالأفكار تأتينا لكننا لا نخلقها.
إذا نظرنا إلي أنفسنا في هذه المرحلة، نجد أنه بالرغم من تطورنا المادي والعلمي، إلا أننا مازلنا محدودين في الجانب الإنساني، فنحن أكثر ميلا للغضب والضعف، والتشكك في الذات، ولكن إذا لجأنا للخالق بقدرته المطلقة، سنستطيع أن نتسامى فوق تلك الحدود. وسنكتشف أن قدرة العقل الذي هو أكثر الآلات في الكون فعالية وأكثرها قوة.
فالله قد منحنا قدرات
عظيمة. وبهذه القدرات يمكننا أن نفهم من
نكون حقًا وما سبب وجودنا هنا، وبذلك نجد المعني في حياتنا.
وعلي هذا
الأساس، فإن العقل الإنساني لا حدود أمامه، وعلينا أن نوسع مداركنا لكي نتمكن من
اكتشاف حقيقتنا ونطلق قوتنا الكامنة فينا.
ويمكن أن نري بعضا من قوي العقل الذي نمتلكه والطاقات الكامنة بداخله، فهو قادر علي أن يتفكر، ويدرك، ويتخيل، ويبدع، ويختار، ويعتقد، ويقرر، وهو قادر علي العطاء، والتعلم، وعلي الإصرار، وعلي التركيز.
هذه القدرات يمكننا أن نسخرها لصالحنا وننتفع بها، وستكون الأساس الذي
نبني عليه حياة ترضينا. وبهذا تكون لدينا القدرة علي أن نكون من نريد أن نكون، ونفعل ما نريد
فعله، وسيتبين لنا أن الهدف الكبير في الحياة هو أن نكون أفضل نسخة ممكنه من أنفسنا باستغلال تلك القدرات.
كل ما في
الامر أن هذه القدرات الفطرية فينا، مدفونه أسفل السطح، لكن عندما ننظر بعمق في داخلنا، سنكتشف تلك الموارد المخفية، وحينها سنري الاختيارات المتعددة المتاحة
أمامنا في الحياة، ويبدأ حين ذلك تحول الادراك فتعرف من تكون وما تستطيع تحقيقه في
حياتك.
ولكي نري كيف تتجلي هذه الحقيقة في حياتنا اليومية، تأمل معي المثال التالي.
مثال من الحياة
كان هناك صديقان من البلاد الريفية هما عبدالستار وسالم، يجلسون سويًا تحت شجرة بجوار أرض يزرعونها.
في هذا الوقت كان سالم
يظهر عليه الهدوء والوداعة وهو في حالة سلام مع نفسه وعيناه مغلقتان في لحظة تأمل
وانسجام مع الحياه وعلي وجهه ابتسامة رقيقة.
أما عبد الستار يجلس بجواره وينظر له بحقد، وهو مقطب
الجبين، متعجب من هذا الهدوء الذي يحيط بصديقه سالم ويتساءل : هل يعرف شيئًا لا أعرفه؟.
عندما نتأمل هذا المشهد، يمكننا أن نجد فيه ثلاثة حقائق هامة، يعرفها سالم، بينما يجهلها عبدالستار كما يجهلها
معظمنا:
1-
الحقيقة الأولي: الحياة
سلسلة من الأفكار.
2-
الحقيقة الثانية: أننا
نصير ما نفكر فيه.
3-
الحقيقة الثالثة: أننا
نستطيع أن نختار ما نفكر به.
وهي حقائق
سنتكلم عنها بتوسع خلال المقالات القادمة، لأنها جزء رئيسي للوصول إلي قوة عقولنا
التي تفوق الوصف.
ومن العجيب معرفة أن هذين الصديقين قد ولدوا في نفس البلد، ونالا التعليم الأساسي ذاته، ولديهم نفس المعتقدات الدينية، إلا أن أحدهما استطاع العثورعلي السلام الداخلي والشعور بالرضا من خلال التركيز علي أفكاره الخاصة، فوجد المعني بداخله.
أما الأخر فهو يبحث في يأس عن السلام الداخلي والرضا.
يمكن للكون أن يعمل لصالحنا
إن إحساسنا
بأنفسنا ينبع من معتقداتنا عن أنفسنا، فتلك المعتقدات هي التي تحدد لنا من نكون
وماذا نستطيع أن نحقق في حياتنا.
يمكن للكون أن يعمل لصالحنا لنعيش و نعمل ونحلم كما نحب، ونصل لأقصي إمكانياتنا، لكن لابد أن نفهم أولا كيف يعمل هذا النظام.
ومن خلال
إجابتنا علي الأسئلة التالية و استيعابها جيدا يمكننا أن نبدأ في استيعاب طريقة عمل هذا النظام:
1-
من أين تنبع الرغبة؟
وكيف نحصل عليها؟ وكيف نقوي تلك الرغبة؟
2-
ما الأهداف التي نريد
تحقيقها في الجوانب الرئيسية لحياتنا؟ وتلك الجوانب هي البدني - الروحي - العقلي - العائلي - المهني - المالي.
3-
كيف يمكننا أن نؤمن حقًا
بأنفسنا وبأهدافنا؟ وكيف نحافظ علي هذا الايمان؟
4-
كيف نضع خطة جيدة لتحقيق
أهدافنا بنجاح؟
5-
ما هي أكبر ثلاث عقبات
أمام تحقيق النجاح الدائم؟
6-
ما هي الأشياء التي نقوم
بها بشكل صحيح؟ وما هي الأشياء التي نقوم بها بشكل خاطئ؟ وما الذي نحتاج إلي تغييره
لكي نكون علي المسار الصحيح؟
7-
كيف نحافظ علي التقدم حين
نقابل العقبات والاحباطات؟ وكيف نحافظ علي الاستمرارية عندما يكون الهدف مازال
بعيد المنال؟
فالتعرف علي
إجابة تلك الأسئلة، هو الخطوة الحاسمة لتحقيق النجاح، ثم بعد ذلك تأتي الممارسة والعمل
اللذان يمثلان طريقنا للتعلم والانجاز.
سنتعرف علي إجابات تلك الأسئلة خلال المقالات القادمة، لكن قبل ذلك لابد أن نتقبل
حقيقة هامة وهي أننا نحن المسئولين عن حياتنا مائة بالمائة، لذا فعلينا أن نجد الطريق للتحكم في
حياتنا.
لا فائدة من التحفيز الخارجي
يمكن لأي شخص يمتلك قدرات تحدث جيدة أن يحفزنا، لكنه أبدًا لن يستطيع أن يجعلنا نقوم بالعمل المطلوب، لذلك فحين نكتشف معا الإجابات لتلك الأسئلة التي طرحناها، علينا أن نبدأ في التطبيق بجدية و بمسئولية حتي تعود المعرفة بأثر جيد في حياتنا.
وما يجعلني أنوه لذلك،
هو أن هناك مبدأ اللذة والألم، وهذا المبدأ يسيطر علي طريقة تفكيرنا، فنجد أننا ننجذب إلي
الأشياء التي تعطينا لذة سريعة حتي ولو كانت مؤقتة، ونبتعد عن الأشياء المؤلمة حتي وإن كانت هي التي ستحقق لنا اللذة علي المدي البعيد.
لذا فعلينا أن نأخذ بزمام المبادرة، وأن نواصل العمل بتركيز بصرف النظر عن ضعف احتمالات النجاح، لأنه دائما علينا أن تدفع الثمن حتي تحصل علي ما تريد.
وكما قال جيمس ألن في كتابه
الرائع "كما يفكر الانسان يكون": "حين تتحرك من داخلك حقًا، يستحيل أن تبقي ساكنًا في الخارج".
والسؤال لك الأن: ما هو القرار الذي ستتخذه اليوم لتستعيد مسئوليتك عن حياتك؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق